قصيدة الأحزان

جائت تسألنى عن حزنى
وأنا تلفحنى نيرانى

جائت والكأس تغرغرنى
والتبغ الأسود أعمانى

تسألنى : " ماذا يشغلنى ؟" ..
" ماذا فى صمت أبكانى ؟؟ "

سيدتى لا تعرف شيئاً
أبداً عن عصر الحرمان !

جائت تسألنى عن "وطنى"
وأنا لا أعرف أوطانى !

أحزانى وطنى .. أحزانى
أرضى .. أحزانى عنوانى ..

لا شىء سوى الدمع البراق
وحيدا يسكن أجفائى ..

لا لون سوى اللون الأسود
يحتل جميع الألوان ..

إنى لا أعرف إنساناً
يشبه فى حزنى إنسانى !

لا أعرف شطآناً تطرد
أمواجاً إلا شطآنى !

حطمنى زمنى .. دمرنى
مزق فى صدرى إيمانى ..

أهدانى سفناً غارقةً
أقحمنى عمق الطوفانِ

أهدانى وطناً يذبح لى
فى كل صباح شريانى

وبحثت كثيراً عن وطنى
فى كل زمانٍ ومكانِ ..

أبحث فى صورى فى كتبى
حتى فى قهوة فنجانى ..

أبحث عن وطنى فى أرضٍ
إبتلعت كل الأوطانِ ..

أبحث عن مجدٍ حيث
المجد قصائد عشق .. وأغانى !

أسأل عن بيتٍ لصديقٍ
كم شاركنى فى أحزانى ..

عن صوت نبىٍ يرشدنى ..
يطرد من قلبى شيطانى ..

أسأل عن أهلى .. عن ناسى
عن أحبابى عن جيرانى ..

أشتاق إلى ضمَّة أمى ..
وإلى بيتٍ كم أعطانى

دفئاً ، وحناناً ، وطموحاً
فرحاً فى عصر الأحزانِ ..

أبحث عن أرضٍ تمنحنى
فى ليل الخوف إطمئنانى ..

عن أقلامى عن مدرستى
عن أسوار عن حيطانِ ..

فأعود ولا أحمل إلا
قلقى .. ودموعى .. ودخان ..
..........

تسألنى : " عن حبى الأول "
وأنا مالى حبٌ ثانى ..

فحبيبة قلبى واحدةٌ
من أول أيام زمانى ..
لا زالت تسكن ذاكرتى
ويقينى أن لن تنسانى ..

تخرج من صوتى من لغتى
تشرق من عمق الوجدانِ ..

قد كنا أغنيتا شوقٍ
وضياءَ شموعٍ .. وكمانِ ..

طيران إنسجما أزماناً
واليوم إفترق الطيرانِ ..

آه من حظى .. من قدرى
من حالى .. من ظلم زمانى ..

ضاعت أحلامى أكملها ..
فأنا مخلوقٌ لأعانى ..

أخذت أيامى وارتحلت
فى أودية من نسيانِ ..
وبقيت هنا وحدى .. أرشف
دمعاتى خلف القضبانِ ..

إن يملأ لى حزنى كأساً ..
تملأ دمعاتى كأسانِ ..

لو تحمل أيامى معها
وتجىء لتحيى أوطانى ..

لو تأتى يومين لأرضى
لتعيد إليها ألوانى ..

لفتحت الدنيا فى يومٍ
ولعشت لها اليوم الثانى ..

لكن حصونى قد دُكت ..
واستسلم طوعا فرسانى ..


سقطت عاصمتى واشتعلت
فيها ألسنة النيران ..

وجلست وحيداً فى سجنى
يبكى من حزنى سجَّانى ..

أرسم فى صمتٍ قاتلتى
وأُقبِّلُ رسم الجدرانِ ..
.............

تسأل سيدتى : ما عمرى ؟
عمرى آلاف الأزمانِ ..

عمرى سيدتى محسوب
بمعاناتى .. وبأشجانى ..

مأساتى : أنى من أول عمرى
لا ورد بأغصانى ..

لاشىء معى إلا يأسى ..
فى قطعت خدرٍ أفغانى ..
.............

لازالت تسأل .. والفودكا
تضربنى مثل البركانِ ..

والتبغ الأسود أقحمنى
أعماق بحور الهذيانِ ..

تسأل واللهفة واضحة
فى نبرة حزنٍ .. وحنانِ ..

فمددت لها كفى : يكفى
فحديثك أيقظ شيطانى ..

سالت فى كفى أدمعها
ناراً .. أشعلها خدَّانِ ..

قد جاءت تسأل عن حزنى
حتى مضغتها أحزانى ..

فمضت والحزن يشيعها
وأنا مصلوب بمكانى ..

أسأل فى صمتٍ أدمعها
" هل عَرفت ماذا أبكانى ؟ "

***************************

ليست هناك تعليقات:

 
جميع الحقوق محفوظة - غازى المصرى - 01002537204 © 2009 " كتابُ الحُزن "